لم تكن الحرب عادلة يومًا، لكن هُيام لم تعد تبحث عن العدالة. كانت تكتفي بالبحث عن الحياة، بين الجثث المغطاة ببطانيات رمادية والصرخات التي لا تميز بين صديق وعدو. في المشفى الميداني، حيث تعمل، لم تكن هناك أسِرَّة كافية، ولا أكسجين يكفي للجميع، فقط حرب أخرى تجري بصمت خلف الأبواب المتشققة.
كانت الليلة حالكة، ممزوجة بدخان القصف ورائحة البارود، حين اقتحم الجنود الباب وهم يجرّون جريحًا بين أيديهم. كان ينزف بغزارة، ملابسه ملطخة بالدم والتراب، عيونه نصف مغلقة، لكنه كان لا يزال على قيد الحياة... بالكاد.
"إنه منهم"، قال أحد الجنود بصوتٍ غليظ، وهو ينظر إلى هُيام بتحذير خفي.
"إنه مصاب"، ردّت بهدوء، وهي تركع بجانب الرجل، تضع أصابعها على عنقه، تتحسس نبضه المتهادي. "والجريح يُعالج، أيًّا كان."
لم تنتظر إذنًا، بل أمسكت بالمشرط، قطعت قماش قميصه الممزق، وبدأت في تنظيف الجرح. كان عميقًا، قريبًا من القلب، كأن رصاصة ما ترددت قبل أن تقتله. عيناه السوداوان، المحاطتان بالدماء والغبار، انفتحتا للحظة، كأنهما تقيسان وجهها، تحفظان تفاصيله.
"هل... سأموت؟" سأل بصوتٍ مبحوح، بالكاد مسموع.
لم تنظر إليه. لم تملك إجابة، لكنها ضغطت على الجرح بقوة، وكأنها تخبره بأن الحياة لا تُوهب بسهولة.
"ليس الليلة"، همست، دون أن تدرك أن تلك الكلمات لم تكن مجرد وعد… بل مصير لم تكن مستعدة له.
في تلك الليلة، لم تُنقذ هُيام مجرد جسدٍ ينزف… بل أطلقت شرارةً تحت الرماد، ولم تكن تعلم أنها ستشتعل معها.